
يأتي كتاب «الأمراض الإدارية» للدكتور جاسم الجزّاع بوصفه عملًا تشخيصيًا عميقًا يتجاوز المعالجات السطحية الشائعة في أدبيات الإدارة، لينظر إلى المؤسسة باعتبارها كائنًا حيًا يمرض ويتعافى، لا مجرد هيكل تنظيمي أو مجموعة إجراءات. فالكتاب لا يدّعي، كما يوضح المؤلف في تمهيده، تقديم “معجم كامل” لكل العلل الإدارية، بل يسعى إلى ما هو أهم: فهم آلية المرض قبل البحث عن الدواء.
ينطلق الجزّاع من تعريف دقيق للمرض الإداري بوصفه خللًا بنيويًا عميقًا لا خطأ عابرًا أو تقصيرًا فرديًا. فضعف القيادة، وفساد الثقافة المؤسسية، وتصلّب الهياكل التنظيمية، وثِقل اللوائح، وتهميش الكفاءات؛ كلها ليست مظاهر منفصلة، بل أعراض متراكمة تُفقد المؤسسة قدرتها على الحيوية والنمو، وتحوّلها إلى كيان يعمل شكليًا بينما يستنزف طاقته من الداخل.
أحد أهم إسهامات الكتاب أنه يصنّف خمسين مرضًا إداريًا ضمن عائلات واضحة: أمراض ثقافية ناتجة عن عادات متجذّرة كالمجاملة والخوف من التغيير، وأمراض قيادية ترتبط بسوء استخدام السلطة وغياب التفويض، وأمراض هيكلية وتشغيلية تعكس خلل التصميم الإداري وضعف التنسيق والمتابعة. ولا يغفل الكتاب الأمراض الاستراتيجية التي تجعل المؤسسة أسيرة التفاصيل اليومية، ولا الأمراض المالية والتحفيزية التي تُقاس فيها النجاحات بالأرقام لا بالأثر، وتُهمل فيها العدالة وتقدير الجهد.
الأهم أن الجزّاع لا يتعامل مع هذه الأمراض بوصفها حالات معزولة، بل كمنظومة مترابطة: مرض واحد كفيل بإضعاف الجسد كله. ومن هنا تأتي قيمة الكتاب، إذ يهدف إلى رفع وعي القادة والموظفين معًا، لا لإدانة أحد، بل لتمكينهم من اكتشاف الخلل مبكرًا، والتدخل قبل أن يتحول التعب الإداري إلى انهيار مؤسسي شامل.


