
يقدّم كتاب «تاريخ إيران القديم» لـ أ. د. السيد محفوظ، سردًا متكاملًا لمسار إيران منذ العصر الحجري حتى سقوط الدولة الساسانية، في عمل يجمع بين التوثيق الزمني والتحليل الحضاري. يبدأ المؤلف بتتبّع البدايات الأولى للاستقرار البشري، والتحوّل من مجتمعات الصيد إلى الزراعة، بوصفها القاعدة التي قامت عليها حضارات لاحقة أكثر تنظيمًا، وعلى رأسها العيلامية التي مثّلت أحد أقدم الأطر السياسية في جنوب غرب إيران.
ينتقل الكتاب إلى صعود الميديين ثم الأخمينيين، حيث تبلغ التجربة الإمبراطورية ذروتها مع تأسيس نموذج إداري واسع الأطراف يقوم على اللامركزية المنظمة واحترام الخصوصيات المحلية. ولا يُغفل المؤلف المرحلة السلوقية بوصفها لحظة تماسٍّ حضاري بين العالمين الإيراني والهلنستي، بما حملته من إعادة تشكيل للمدن والإدارة والثقافة، قبل أن تستعيد القوى المحلية زمام المبادرة مع الفرثيين (البارثيين).
أما الدولة الساسانية فتُعرض باعتبارها مشروعًا لإحياء الهوية الإيرانية وتعزيز المركزية السياسية والدينية، مع إبراز دور الزرادشتية ومؤسسات العلم والإدارة، وصولًا إلى التحولات الكبرى التي مهدت لنهاية العصر القديم مع الفتح الإسلامي.
قوة الكتاب تكمن في ربطه بين البنى الاجتماعية والاقتصادية وبين تشكّل السلطة، وفي تقديمه سردًا متدرجًا يُظهر كيف تفاعلت إيران مع محيطها دون أن تفقد خصوصيتها.
بهذا المعنى، لا يقدّم العمل تاريخًا سياسيًا فحسب، بل قراءة في تشكّل الهوية والدولة في المجال الإيراني قبل الإسلام، ضمن سياق إقليمي واسع وتحولات ممتدة عبر آلاف السنين.

