عندما يتحوّل الذكاء إلى عبء: قراءة تحليلية في كتاب فخّ الذكاء

يقدّم ديفيد روبسون في كتابه فخّ الذكاء أطروحة صادمة لكنها واقعية: الذكاء الذي نعتبره أعلى موارد الإنسان قد يتحوّل في لحظات كثيرة إلى عائق حقيقي يحدّ من القدرة على اتخاذ القرارات، ويقلّل من جودة التفكير العملي، ويقود صاحبه إلى دوائر مغلقة من التحليل المفرط والثقة الزائدة. هذه المفارقة يدرسها روبسون من زاوية علمية تعتمد على أبحاث في علم الإدراك، التحيّزات المعرفية، وعلم النفس السلوكي.

يركز الكتاب على الفكرة الجوهرية بأن الأشخاص ذوي القدرات العقلية العالية أكثر عرضة للوقوع في أخطاء تفكير جوهرية، لأنهم يملكون أدوات ذهنية قوية لكن غير منضبطة. من أبرز هذه الأخطاء: الانحياز التأكيدي حيث يبحث الفرد الذكي عن الأدلة التي تؤكد قناعته بدل اختبارها، والثقة المفرطة التي تجعل صاحب الذكاء يعتقد أنه “أذكى من أن يخطئ”، والتفكير المفرط الذي يكبّل الفعل ويحوّل القرارات البسيطة إلى متاهات عقلية.

يُظهر روبسون أن الذكاء ليس مؤشرًا على الحكمة، ولا يضمن التفكير السليم أو الفعل الرشيد. فالحكمة، وفقًا لما يقدّمه، تقوم على مزيج من الوعي الذاتي، التواضع المعرفي، إدارة المشاعر، والقدرة على النظر من عدة زوايا. أما الذكاء وحده فهو أشبه بمحرك قوي بلا نظام توجيه. ومن هنا يأتي “الفخ”: كلما زادت قوة العقل، زادت خطورة الانحرافات التي يمكن أن يقع فيها.

أهمية الكتاب اليوم ترتبط بعصر تتضخم فيه المعلومات ويتزايد الضغط لاتخاذ قرارات سريعة. في بيئة كهذه، لا يكفي أن تكون ذكيًا، بل يجب أن تكون حكيمًا، متزنًا، وواعيًا لحدود قدراتك العقلية. يقدم روبسون حلولًا عملية، مثل التدريب على التفكير التأملي، وفحص القناعات بصرامة، والانفتاح على النقد، وبناء بيئات معرفية تمنع الإنسان من أن يصبح أسيرًا لذكائه.

في النهاية، يذكّرنا فخّ الذكاء بأن النجاح لا يكون لمن يملك عقلًا لامعًا فقط، بل لمن يستطيع إدارة هذا العقل، وتوجيهه، وكبح غروره، وتحويله من مصدر تعقيد… إلى أداة تقدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *