الفلسطينيون والهنود الحمر: قراءة في منطق الإبادة والاستيطان

يأتي كتاب «الفلسطينيون والهنود الحمر» لـ أ. د. عبدالله سهر ود. حسن جوهر بوصفه محاولة فكرية جادة لربط القضية الفلسطينية بسياقها العالمي الأوسع، بعيدًا عن عزلها كصراع محلي أو نزاع سياسي عابر.
ينطلق الكتاب من مقارنة تاريخية وسياسية بين مأساة الفلسطينيين وتجربة الهنود الحمر في القارة الأمريكية، باعتبارهما نموذجين للاستعمار الاستيطاني الإحلالي الذي يقوم على اقتلاع السكان الأصليين وإحلال جماعات جديدة محلهم.

يركّز المؤلفان على تشابه الأدوات والخطابات المستخدمة في التجربتين؛ فكما صُوِّرت أراضي الهنود الحمر على أنها «أرض بلا شعب»، أُعيد إنتاج الفكرة ذاتها في فلسطين، مع اختلاف السياق الزمني وتطوّر وسائل السيطرة. ويُظهر الكتاب كيف لعب الخطاب الديني والأخلاقي دورًا محوريًا في تبرير الاستيطان، وتحويل العنف إلى «قدر تاريخي» أو «حق إلهي»، في حين جرى نزع الصفة الإنسانية عن السكان الأصليين وتصويرهم كعائق أمام التقدم.

لا يكتفي الكتاب بالسرد التاريخي، بل يقدّم قراءة نقدية للوعي الغربي الذي تعاطف لاحقًا مع الهنود الحمر بعد اكتمال الإبادة، بينما يواصل تبرير أو تجاهل ما يجري في فلسطين. ومن هنا يطرح سؤالًا أخلاقيًا حادًا: هل يحتاج الفلسطينيون إلى أن يصبحوا «هنودًا حمر جدد» حتى يعترف العالم بمأساتهم؟

أهمية الكتاب تكمن في كونه يضع القضية الفلسطينية داخل إطار الاستعمار المقارن، ويمنح القارئ العربي أدوات تحليل تتجاوز الخطاب العاطفي إلى الفهم البنيوي للصراع. إنه كتاب يذكّر بأن ما يجري في فلسطين ليس استثناءً تاريخيًا، بل فصلًا متجددًا من تاريخ طويل من الإقصاء والاستيطان، وأن فهم هذا السياق شرط أساسي لأي مشروع مقاومة فكرية أو سياسية واعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *