خفايا حياة لورنس العرب: تفكيك الأسطورة ودوره في الثورة العربية الكبرى

في كتاب «خفايا حياة لورنس العرب» يقدّم فيليب نايتلي وكولن سمبسون قراءة نقدية عميقة لشخصية توماس إدوارد لورنس، بعيداً عن الصورة الرومانسية التي رسّختها السينما والدعاية البريطانية بوصفه «بطل الثورة العربية الكبرى». لا يسعى الكتاب إلى سرد سيرة تقليدية، بل إلى تفكيك الأسطورة وكشف التناقضات التي أحاطت بحياة الرجل ودوره السياسي والعسكري.

ينطلق المؤلفان من فرضية أساسية مفادها أن لورنس لم يكن مجرد مغامر استثنائي أو صديق صادق للعرب، بل كان جزءاً من منظومة استعمارية استخدمت الثورة العربية كأداة في صراع القوى الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى. ويستعرض الكتاب كيف لعب لورنس دور الوسيط بين القيادة البريطانية وبعض الزعامات العربية، في وقت كانت فيه لندن وباريس ترسمان خرائط التقسيم في الخفاء، كما في اتفاقية سايكس–بيكو.

يركز الكتاب على شخصية لورنس النفسية، مبرزًا اضطراباته الداخلية، وشعوره الدائم بالذنب، وتناقضه بين الإعجاب بالثقافة العربية وخضوعه في النهاية للأوامر الإمبراطورية. ويحلل المؤلفان مذكراته «أعمدة الحكمة السبعة» بوصفها نصًا انتقائيًا أعاد فيه لورنس صياغة تجربته، مضخمًا أدواره أحيانًا، ومتغاضيًا عن أبعاد أخرى تخدم السرد البطولي الذي احتاجته بريطانيا بعد الحرب.

كما يسلّط الكتاب الضوء على علاقة لورنس بالإعلام البريطاني، وكيف ساهمت الصحافة في صناعة صورته كأسطورة حيّة، تخدم الرأي العام الغربي وتبرر السياسات الاستعمارية في المشرق العربي. وفي هذا السياق، يكشف المؤلفان عن التفاوت بين الواقع الميداني لدور لورنس وحجم الأسطورة التي صُنعت حوله.

تمثل «خفايا حياة لورنس العرب» إضافة مهمة للمكتبة التاريخية النقدية، لأنه لا يكتفي بإعادة سرد الوقائع، بل يطرح أسئلة جوهرية حول صناعة الرموز، واستخدام الأفراد في مشاريع الهيمنة، وحدود البطولة في زمن الإمبراطوريات. وهو كتاب مفيد لكل من يرغب في فهم الثورة العربية الكبرى خارج الرواية الغربية السائدة، وفي إعادة النظر في إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ المنطقة الحديث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *