
لا يُعد كتاب «آل رومانوف: الأيام الأخيرة» لجورج غوستاف تيلبيرغ عملًا تاريخيًا تقليديًا، بل شهادة سياسية من داخل النظام القيصري في لحظة احتضاره. فالكاتب لم يكن مؤرخًا لاحقًا للأحداث، بل وزيرًا ومشاركًا في دوائر القرار، ما يمنح الكتاب قيمة توثيقية وتحليلية عالية، ويجعله أقرب إلى “محضر انهيار دولة” منه إلى سرد تاريخي محايد.
يركز تيلبيرغ على السنوات الأخيرة من حكم القيصر نيقولا الثاني، كاشفًا كيف تحولت الدولة الروسية إلى جهاز مشلول: قرارات مؤجلة، إصلاحات شكلية، انفصال واضح بين القصر والمجتمع، وتقديرات خاطئة لحجم الغضب الشعبي. ويُبرز الكتاب أن السقوط لم يكن نتيجة الثورة وحدها، بل حصيلة تراكم طويل من سوء الإدارة، والعجز عن قراءة المتغيرات الاجتماعية والسياسية.
تكتسب محاضر وتقارير تيلبيرغ أهمية خاصة، إذ تكشف طبيعة النقاشات داخل السلطة، وحالة الارتباك والتردد، بل وأحيانًا الإنكار. يظهر القيصر في هذه الوثائق حاكمًا حسن النية لكنه ضعيف القرار، تحيط به نخبة بيروقراطية عاجزة عن المبادرة. وهنا تتجلى مأساة الحكم المطلق حين يفقد القدرة على الإصلاح التدريجي.
يتجاوز الكتاب الحالة الروسية ليقدم درسًا عامًا في سقوط الأنظمة: حين تتجاهل السلطة إشارات الخطر، وتفشل في تجديد شرعيتها، تصبح الثورة نتيجة منطقية لا حدثًا مفاجئًا. لذلك يُقرأ الكتاب اليوم كمرجع في فهم نهايات الإمبراطوريات وأزمات الشرعية السياسية.
يمثل الكتاب وثيقة نادرة لفهم كيف تموت الدول من الداخل قبل أن تُسقطها الشوارع، وهو إضافة مهمة لكل مهتم بالتاريخ السياسي وتحليل التحولات الكبرى.


