العثمانيون والخليج العربي: مقاربة تاريخية لفهم طبيعة الحضور العثماني في الخليج

يأتي كتاب «العثمانيون والخليج العربي» ليقدّم مقاربة تاريخية تحليلية تتجاوز السرد الوصفي التقليدي للعلاقة بين الدولة العثمانية ومنطقة الخليج، متجهًا نحو تفكيك مفاهيم النفوذ، والشرعية، والانتماء السياسي في سياق إقليمي شديد التعقيد. لا ينشغل الكتاب بإثبات حضور عثماني مطلق أو نفيه، بقدر ما يسعى إلى فهم طبيعة هذا الحضور وحدوده، وكيف تفاعل معه الفاعلون المحليون.

ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول، يحتلّ فصلان منها مكانة محورية عبر تركيزهما على الحالة القطرية، بوصفها نموذجًا كاشفًا لطبيعة العلاقة مع العثمانيين. في الفصل المعنون «الجامعة الإسلامية في فكر الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني»، يعيد المؤلفان قراءة موقف الشيخ جاسم من الدولة العثمانية ضمن إطار فكري–سياسي، حيث تظهر الجامعة الإسلامية كمرجعية شرعية ورمزية، لا كصيغة خضوع سياسي. ويبرز الفصل وعي القيادة القطرية المبكر بتوظيف الانتماء الإسلامي في مواجهة الضغوط البريطانية، مع الحفاظ على هامش استقلال فعلي في القرار.

أما فصل «تحولات العلاقات القطرية العثمانية»، فيتناول المسار المتغيّر لهذه العلاقة، كاشفًا عن ديناميات التقارب والتباعد، وتأثير التحولات الإقليمية والدولية في إعادة تشكيلها. ويُظهر الفصل أن العلاقة لم تكن ثابتة أو خطية، بل خضعت لمعادلات القوة والمصلحة، ولحدود القبول المحلي بالنفوذ الخارجي.

تكمن أهمية الكتاب في أنه يقدّم قراءة نقدية لمفهوم السيادة في الخليج خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ويُسهم في تفكيك السرديات الاختزالية التي صاغتها المصادر الاستعمارية لاحقًا. وبهذا، يشكّل الكتاب إضافة نوعية في مسار إعادة كتابة تاريخ الخليج، عبر إعادة الاعتبار لدور الفاعل المحلي وقدرته على المناورة داخل نظام دولي مضطرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *